×
Téléchargez la nouvelle application
my2M
Bien plus que la télé
Installer
الآن
بورتريه: عندما تُزرع فيك روح الوطن أينما حللت.. قصة مغربي قادته سفينة القدر نحو تونس
مغاربة العالم

بورتريه: عندما تُزرع فيك روح الوطن أينما حللت.. قصة مغربي قادته سفينة القدر نحو تونس

وكالات بتصرفوكالات بتصرف

بعضهم هنا يناديه بـ"محمد المروكي"، وإن كانت هذه الكنية لا تنزل عنده منزلة الرضا، ويفضل عليها "محمد المغربي"، مثلما يناديه أغلبهم.. وبين هاته وتلك، يكاد يغيب لقبه الذي جاء يحمله منذ هاجر إلى تونس قبل 26 عاما، فيما روحه المغربية تظل راسخة رسوخ الأطلس الأشم.

ضاعت دارجته العربية المغربية بسبب ظروف الزمن، وبات يتقن الدارجة التونسية حتى أن البعض من معارفه ظلوا يعتقدون أنه تونسي المولد، أو أن أجدادا بعيدين له أتوا من المغرب الأقصى إلى بلاد الأغالبة.

أمازيغيية محمد (55 عاما) ظلت راسخة مثل رسوخ "الرجل الحر" في الثقافة المغربية، يتحدث بها مع مهاجرين مغاربة آخرين، وكأن الرجل لم يترك أبدا قريته في اقليم تارودانت، هناك حيث رأى النور.

يؤكد محمد المروكي، أو محمد المغربي، في بوح ذي شجون لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن ثمة أمورا لا يتنازل عنها، مهما كان الأمر، شأن شغفه بالمنتخب المغربي لكرة القدم، الذي يحرص أن يحضر كل مباراياته في تونس. يأبى الرجل ارتياد المقاهي، لكنه يضغط على إصراره ذاك كلما كانت هناك مباراة للمنتخب الوطني، تبث على شاشة التلفزة.

يقول محمد وملامحه لا تخفي علامات الاعتزاز، "أليس الديربي التاريخي بين الرجاء والوداد برسم منافسات كأس محمد السادس للأندية الأبطال قمينا بأعرق دربيات أوروبا؟ أرأيت الروح القتالية للاعبين؟، أشاهدت الجمهور؟"، دون أن يخفي ميوله للخضراء، قبل أن ينبري للحديث عن المنتخب المغربي، متسائلا بحرقة عن الحظ العاثر الذي عاكس الفريق الوطني في بطولة كأس إفريقيا للأمم بمصر.. "كيف ضاعت ركلة جزاء حكيم زياش أمام منتخب بنين في دور ثمن النهائي؟ ولماذا لم نستدع محسن ياجور، وبانون والعربي وآخرين...؟ ولماذا لم يأت حمد الله إلى مصر؟"، أسئلة لا يكاد محمد الشغوف بمتابعة أخبار الكرة ولاعبيها يجد لها جوابا.

يحرص محمد على حضور الحفلات المغربية التي تقام في تونس لفائدة الجالية المغربية، لكن متعته تبلغ منتهاها عندما تستدعى فرقة أمازيغية لإحياء سهرات في تونس. عندها يود لو أن بيده أداة لتقريب الزمن حتى تحل مواعيد تلك الحفلات في أقرب وقت.

كلما وجد من الوقت هنيهة فراغ يستدعي محمد إلى هاتفه المحمول أغاني أمازيغية، تحلق به عليا وكأنه طائر باز حر فوق جبال الأطلس الشامخة، هناك في أرض الوطن. تلك هي الأداة التي ظل يقهر بها الرجل قسوة الغربة على مدى سنوات طويلة.

يعمل محمد المغربي حارسا في إحدى شركات العقار بتونس العاصمة، هو أول من يأتي إلى مقر عمله وآخر من يغادره بساعات. يقول إن حراسة المكان أمانة في عنقه لا مجال للتفريط فيها بها بأي حال.

يؤكد الرجل أنه لا يملك شيئا في هذه الدنيا سوى الثقة التي يضعها فيه الناس، الذين يمكنهم أن يأتمنوه على كل شيء، ليعيده إليهم، مع ابتسامة عريضة، وكلمات جملية بلكنة تونسية من قبيل "نهارك زين"، و"يعيشك"، و"ربي يفضلك" (أي الله يحفظك).

يتحدث عن الزمان الذي يتبدل وعن طينة الناس الأحرار الذين باتوا عملة نادرة، وانفراط العهد بالقيم. لمحمد ثلاثة أبناء أصغرهم في العشرين من العمر، حرص على تعليمهم قدر ما استطاع، يشعر بالرضا لحسن تربيته لهم.

الرجل عصامي، كادح، تعلم في دروب مدرسة الحياة، التي جعلته يخبر تقلب الأيام بحلوها ومرها، وطينة البشر، فتعرف على الكريم واللئيم، والطيب، وما دون ذلك.. هي مدرسة لا تكاد دروسها تنتهي، كما يقول محمد.

لا حاجة لسؤال محمد هذا، فهو ينطلق في الحديث بسجية عجيبة، يحكي بعفوية مطلقة كيف مارس صنوفا وضروبا من المهن، في سبيل عيش كريم، امتهن غسل السيارات، واستخرج الفحم، وعمل مساعدا لبقال وغير ذلك. تنقل بين العديد من مدن المملكة من شمالها إلى جنوبها منذ السادسة عشرة من عمره، بحثا عن الرزق الحلال، إلى أن قادته سفينة القدر نحو تونس في ذات يوم من شهر شتنبر 1993 ليستقر بها منذ ذلك الحين.

يتذكر يوم امتطى الحافلة من الدار البيضاء إلى تونس مرورا بالجزائر. يستحضر ذلك اليوم المشهود في حياته وكأنه أمس قريب. ويتذكر السنة الأولى بعد قدومه إلى تونس حينما كان يخرج مع شلة من رفاقه المغاربة، نهاية كل أسبوع، يمضون على طول شارع الحرية بالعاصمة، وكأنه يبث فيهم روحه، وصولا إلى قلب تونس بشارع الحبيب بورقيبة.

يزهد الرجل في الكثير من أمور الدنيا، لا تنشغل نفسه بسؤال المستقبل، ولا بصراع الماضي والحاضر، يمضي بخطواته العفوية في دروب الحياة المتلاطمة، مؤمنا بأن الأرزاق ت ساق، تكاد سيرته تكون تماما كسيرة ذاك الذي "يفترش العشب ليلا ويتلحف الفضاء"، "زاهدا في ما سيأتي ناسيا ما قد مضى" على حد قول جبران، ذلك المهاجر الآخر.

السمات ذات صلة